نخبة من الأكاديميين

33

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

بلاد فارس والغرب الأوروبي قبل الإسلام د . إبراهيم بيضون منذ قديم الأزمنة ، والصراع قائم بين قطبين ، أو ربما بين حضارة البرّ في الشرق وحضارة البحر في الغرب ، وقد حملت كلتاهما من السمات ما افتقدت إليها الأخرى ، من دون أن يكون هذا الصراع خاضعاً فقط لسياسات التوسع والنفوذ ، ولكن التفاعل الثقافي كان لا يزال نابضا فيه ، إذا توقفنا خصوصاً عند المشروع العالمي للإسكندر ، الأكثر وضوحاً في التعبير عنه ، وما يلفت حينذاك كان ، تنوّع القطب الغربي وعدم استقراره على حالٍ ، مع تغيّر مواقع النفوذ ، من الإغريق ، إلى « المتأغرقين » ، إلى الرومان ، فالبيزنطيين ، فيما القطب الشرقي ما انفك فارسياً ، وموجهاً تحدياته حتى انهيار بقايا إمبراطوريته أمام فتوح الإسلام ، الذي آلت إليه بداهةً قطبية الموقع الشرقي في التصدي للغرب ، المتمثّل حينذاك ، وعلى مدى طويل بالبيزنطيين الذين تلقى نظامهم الإمبراطوري ضربة قاسية في معركة اليرموك ( 15 ه - / 636 ) . كانت بلاد فارس إذن ، محور القطبية الشرقية ، المتزامنة مع ظهور الأنظمة السياسية في الغرب ، وقد حملت عبء الصراع معها ، وكبح نزعتها التوسعية الظاهرة ، وهي لم تكن مؤهلة لهذا الدور الكبير ، لو لم تنجح في ردع الدول المتاخمة لها في ما بين النهرين ، ومن ثم في توحيدها بتأثير من ذلك تحت قيادة قوروش الثاني ( الأكبر ) 529 558 ق . م . من الأسرة الهخامنشية ( الأخمينية ) ، أي العظيمة « 1 » ولقد تبلور سريعاً حينذاك مشروعها التوسعي باتجاه الغرب ، انطلاقاً من العراق حتى مصر ، قبل أن تشتبك في حروب طويلة مع اليونان . ففي سنة 548 ق . م . ، استهدفت حملة فارسية « ليديا » ، وكانت مملكة شبه مستقلة ، فتمكنت من إخضاعها ، فضلًا عن المدن اليونانية الآسيوية التابعة لها . ولم تعبأ ليديا بدايةً بالغزو الفارسي ، طالما ظلّت مصالحها التجارية بمنأى عنه ، ولكن التدخل المباشر في شؤونها ، دفع بها بعد نحو نصف قرن إلى الثورة ، معتمدةً على الحلف العسكري الذي قادته حينئذٍ مدينة ميليتوس « 2 » ، والذي لقي تأييداً من بعض المدن اليونانية ، لا سيما أثينا ، مما تجلى في إرسال عدد من السفن الحربية دعماً لثورة ليديا « 3 » .

--> ( 1 ) سعيد بن بطريق ، كتاب التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق ج . 1 ص 74 72 . ( 2 ) على الساحل العربي لشبه جزيرة آسية الصغرى . ( 3 ) لطفي عبد الوهاب يحيى ، اليونان ص . 157 156 .